الربع ساعة !

بعدما زاد تعاملي مع فئة المربين من جيلنا، وبعد نقاشات كثيرة عن تربية الأطفال وأسئلة يتم استقبالها، إكتشفت أن عدداً ليس بالقليل من الأهل لا تتعدى نظرتهم الربع ساعة، يهتمون بتربية طفل لن يُخطئ في الربع ساعة القادم، لن يحرجهم في الشارع، لن يعطِ عنهم إنطباعاً سلبياً في العزومات العائلية وجلسات الأصدقاء، لن يتمسك بالألعاب حتى البكاء في أماكن التسوق، ولن يزعجهم بالصراخ لأسبابه التافهة، وجدت أن الأطفال يتم تأهيلهم بشكل رائع للربع ساعة القادم، ويتم تجاهل ما بعد ذلك في أحيانٍ كثيرة !!

أتذكر جيداً عندما ولد فراس منذ ست سنوات، ما خطر ببالي وقتها هو أن “أعمار أمتي بين الستين والسبعين” فشعرت بالرعب عندما تخيلت أن أبنائنا من المتوقع جداً أن يعيشوا حتى عام ٢٠٨٢ بعُرف الأعمار الطبيعي وبعيداً عن الأقدار والحوادث والإستثنائات، تخيلت كيف سيكون عالمهم وقتها، فلن يكون شيئاً كما هو الآن، وبإستمرار السرعة التي تتغير بها الأشياء في العشر سنوات الماضية سيتغير كل شيء في الكون، ستصبح دولٌ نامية دولاً عظمى، و ربما تصبح دولٌ عظمى دولاً لاجئة وليس من المستحيل أن تكون الوجهة الأولى للاجئين من الدول العظمى، هي مؤسسة “نيل ديجراس تايسون” أو “إيلون ماسك” في المريخ!

حين تدرك أن الطفل الذي بين يديك هو إنسان يتم تأهيله لأن يصبح شاباً في ٢٠٣٠ ويصبح رجلاً متزوجاً وله أولاد في ٢٠٤٠، ويصبح مُسنَّاً قد أتم رسالته وترك بعده أحفاد في ٢٠٨٠، فليس من المهم إطلاقاً كيف ستكون أخلاقه بعد ربع ساعة، ولا يهم إطلاقًا مواقفه المحرجة أمام الغرباء ولا بكائه أمام محلات الألعاب ولا تكسير الأكواب الزجاجية في المنزل، الأخطر من كل هذا هو أن يصل للعام ٢٠٨٠ بصفات التسعينات وشخصية التسعينات وعقلية التسعينات وجودة التسعينات وعلوم التسعينات، وقتها لن يكون قادراً على استيعاب الفجوات بينه وبين الأخرين، ولن يكون مقبولاً من شعوب العالم الأكثر تقدماً وتوافقاً مع ذلك الزمن، ولن يحظى بفرصة حياة جيدة في هذا العالم إلا أن يكون حارساً لحصانٍ تم تصنيعه في مؤسسة “بوسطن داينامكس” أو أن يحمل حقائب المسافرين للمريخ للجوء أو للرحلات الترفيهية!!

 وحين تدرك سرعة التقدم الذي يسير به العالم وحين تدرك عدد الإنجازات المستحيلة التي قام بتحقيقها فريق “سبيس إكس” وحده، تعلم وقتها أن كل هذه الإفتراضات ليست مستحيلة على الإطلاق! ولكنها الأقرب للمنطق ولمعدل التقدم.

أبنائنا سيعيشون في عالمٍ لا علاقة له بعالمنا الحالي، وسيصطدمون بإنفتاحه وشدة تواصله وارتباطه وتغيراته المناخية والأخلاقية والثقافية والعلمية، فقم بتأهيلهم للوصول بسلامة ذهنية ونفسية وعلمية لذلك العام، قم بتأهيلهم للقدرة على الإحتكاك بالعالم والمشاركة فيه، قم بتأهيلهم حتى لا يرتبكوا ولا ينهاروا أمام الفجوات الثقافية والنقلات العلمية في عام ٢٠٨٠ أو بعده أيضاً تحسباً لزيادة معدلات الأعمار، ودَع عنك كلاسيكيات التربية، كسر حواجزك الثقافية والجغرافية وتجاهل العادات والأزمات المحلية وحاول أن تتخطى حاجز الربع ساعة القادم حتى لا يعاني طفلك يوماً ما.

بقلم/ أحمد أبو هاشم  

الربع ساعة تربية الأطفال