حادثة مقتل مصطفى

لا يختلف مؤرخو الدولة العثمانية القُدامى منهم أو المعاصرون على أن أعظم سلاطينها على الإطلاق هو السلطان «سليمان القانوني» [1520-1566]؛ ففترته تُعرف بالعصر الذهبي التي توسعت فيه الدولة بضم أراضٍ جديدة، ورسُخَت فيها المؤسسات القائمة، وقد كان للسلطان يد طولى في هذا النمو والازدهار الكبير؛ بعدله وحكمته التي عُرف بهما، لكن مسألة قتله لولده مصطفى زلة لا تزال عظيمة تؤخذ على سليمان القانوني.

ومصطفى [1515-1553] هو الابن الأكبر والوحيد لسليمان من زوجته «ماهي دوران»، أما بقية أبنائه الأربعة وبنته الوحيدة فهم من «خُرَّم سلطان» المعروفة في التاريخ الغربي باسم «روكسلانة»، ويتناول هذا المقال تفصيل قصة مقتل الأمير المغدور، كما يناقش الأسباب التي دعت السلطان لاتخاذ قرار بإعدامه، مع توضيح دور خُرَّم والصدر الأعظم «رُستَم پاشا» صهر السلطان في قتل الأمير.

أين ذُكرت حادثة مقتل مصطفى؟

ذُكرت هذه الحادثة الصحيحة في كثير من المصادر الشرقية والغربية بالعربية والتركية والفارسية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية، فمن المصادر العربية نذكر «نصرة أهل الإيمان بدولة آل عثمان» للمؤرخ المصري «محمد بن أبي السرور البكري الصديقي» [ت 1676] مؤرخ مصر في القرن السابع عشر، أما المصادر التركية فنجد «تاريخ بچوي» للمؤرخ العثماني الكبير «إبراهيم بچوي» [ت 1650] كما نجد ذكرًا للحادثة في كتاب «كُنه الأخبار» للمؤرخ ورجل الدولة العثماني «مصطفى عالي» [ت 1600] الذي عاصر الحدث وسجله بدقة، أما المصادر الفارسية فنجد كتاب «جواهر الأخبار: بخش تاريخ إيران از قراقويونلو تا سال 984 هـ» للمؤرخ الإيراني «بوداق منشي قزويني» المعاصر الحدث.

أما المصادر الأوروبية فنجدها في تقرير سفير البندقية لبلاده في نفس عام إعدام الأمير، ونجدها في كثير من الأعمال المسرحية التي جسّدت الواقعة مثل مسرحية «مصطفى» للشاعر وكاتب المسرحيات الإنجليزي «فُلك گريڤيل» التي طُبعت عام 1609، ومسرحية «سُليمانو» للكاتب الإيطالي «پروسپرو بونارلّي» التي عُرضت لأول مرة عام 1631 بإيطاليا.

التنافس على عرش سليمان

كان الصراع بين أبناء السلطان سليمان على من سيخلفه في العرش يزداد كلما تقدم به العمر، وكان من الواضح أن لمصطفى الحظ الأوفر عليهم جميعًا بسبب تأييد وحب الجميع له، وقد انقسم الصراع بين فريقين: مصطفى وأمه ورجال الدولة من جانب، وخُرَّم زوجة القانوني بمساعدة صهره رُستم پاشا من جانب آخر، فخُرَّم تريد لأحد أبنائها أن يخلف أباه على العرش، ومصطفى يسعى لعرش أبيه كونه يرى في نفسه الأفضلية وحب قيادة الدولة بالإضافة إلى الدعم الكبير من شرائح المجتمع المختلفة.

ويتضح من مجرى الأحداث أن خُرَّم كانت تدبر بالتعاون مع رُستَم ليخلف مُحمد [أكبر أبنائها] والده على العرش، وكان لها يد في انتقال الأمير مصطفى من حاكم على ولاية «مانيسا» [بالقرب من العاصمة] إلى «أماسيا» [بعيدًا عن العاصمة] عام 1540، ومن ثم تعيين الأمير مُحمد بأمر من سليمان كحاكم لمانيسا للتدرب على شئون الإدارة كما هو متبع مع الأمراء، مما جعل الأمير مصطفى في منافسة صعبة للوصول إلى العرش في حالة وفاة السلطان.

وتفيدنا تقارير سفراء الدول الغربية عن التنافس بين خُرَّم ومصطفى، إذ أرسل سفير «إمبراطورية الهابسبورج» لدى الدولة تقريرًا إلى بلاده عام 1547 وعام 1550 يفيد أن رُستَم يريد أن يمنع مصطفى من فرصة الصعود للعرش لأجل الأمير سليم، في حين أن مصادر أخرى تشير إلى أن خُرَّم تريد بالتعاون مع رُستَم وابنتها أن يَصعدوا ببايزيد إلى الحكم، خاصة بعدما انفطر قلب خُرَّم بالوفاة الفجائية للأمير «محمد» عام 1543.

أما دور رُستَم في هذا الصراع البارد فتمثل في تشويه صورة مصطفى أمام السلطان بإظهاره بمظهر العاصي المتحالف مع الأعداء، ففي عام 1549 عندما قام الجوريجيون بالهجوم على ولاية «أرضروم» أرسل مصطفى لطلب المساعدة من العاصمة لرد العدوان، ولكن رُستَم لم يستجيب له خوفًا من أن يظهر كبطل بعد هزيمة الجوريجيين، وقد تكرر الأمر عام 1550 عندما هجمت مجموعات من اللصوص من إيران على قرى شرقي اﻷناضول ونهبوها فطلب مصطفى المساعدة مرة أخرى، ولكنه لم يلق أي استجابة من رُستَم. وقد وصلت رسالة إلى سليمان بعد وفاة الأمير [مازالت محفوظة في أرشيف قصر «الطوب قابى» بإسطنبول]، يقول فيها الراسل بأن رُستَم قد خطط لإظهار مصطفى بأنه متحالف مع الصفويين عبر تزوير ختم الأمير واستخدمه في إرسال رسائل تعاون وصداقة باسمه إلى الشاه «طهماسب» شاه الدولة الصفوية، وقد استجاب الشاه لهذه الرسائل وبادله الجواب عليها، ولا شك بأن رستم قد استخدم هذه الرسائل ضد الأمير ليثبت عليه تهمة الخيانة.

أما على جانب الأمير مصطفى فكان يحشد جميع أعوانه ليشكلوا جبهة داعمة له للوصول للعرش، فداخليًا قام ببعث رسالة إلى والي أرضروم «إياس پاشا» يطلب منه أن يكون داعما له في أن يصبح سلطانًا للدولة، ولكن بعد وفاة والده وليس في حياته، وقد أجابه إياس پاشا بتأييده له بنص ما زال موجودًا إلى الآن.

أما خارجيًا فكان هناك تواصل بين مصطفى وسفير «البندقية» بإسطنبول، وقد أرسل بمبعوث إليه يدعى «نبي بك» يطلب المساعدة من البندقية كظهير دولي لفوز الأمير بالسلطنة، وقد سافر هذا المبعوث برسالة من مصطفى ومن أسير يُدعى «توماس مايكل» ابن نبيل بندقي في السجون العثمانية إلى مجلس الشيوخ البندقي في اﻷول من أكتوبر من عام 1553، وقد أشيع في البندقية أن هدف الزيارة هو عقد صفقة يتم بمقتضاها تزويد البنادقة الأميرَ بالخبرات الحربية والتقنية المتقدمة في حالة وصوله للعرش مقابل أن يعيد إليهم «حصن المورة» الذي فقدوه سابقًا أمام الدولة، وما زال أرشيف دولة البندقية بمدينة «ساو پولو» بإيطاليا يحتفظ بنسخة من رسالتين حملهما سفير الأمير إليه وهو عائد لإسطنبول.

تنفيذ الإعدام: الأسباب وردود الفعل

تمتع مصطفى بحب الكثيرين له من جنود الجيش والعلماء ورجال الدولة والشعب، ولم يُفكر أحد أبدًا باعتلاء العرش غيره بعد وفاة والده، إلا أن الأقدار منعت مصطفى من الوصول بشكل أبدي. وتبدأ القصة بالحملة العسكرية التي أرسلها سليمان على الدولة الصفوية بقيادة رُستَم پاشا؛ بسبب قيامهم بالهجوم على أراضي الدولة، فعَبر رُستَم بالجيش من إسطنبول على طوال الطريق حتى وصل إلى قونيا بوسط الأناضول، وفي أثناء الانتقال شاعت أخبار وسط الجنود بأن هناك من أخبر الأمير بأنه قد حان الوقت المناسب ليقود هو الجيوش بدلًا عن والده الكبير، وأن عليه أن يتخلص من رُستَم بالهجوم عليه في طريق الحملة وقتله، لكن مصطفى لو قام بهذا لظهر بمظهر العاصي الخارج على قائد السلطان، ويضيف سفير البندقية لدى الدولة في تصويره لواقعة خروج جيش الحملة أنه في أثناء توجه الحملة إلى قونيا بقيادة رُستَم أبدى الإنكشارية لرُستَم رغبتهم في الذهاب إلى مصطفى في «أماسيا» (على طريق الحملة) للسلام عليه بصفته سلطانهم القادم، لكن رُستَم رفض الأمر، وطالبهم بالبقاء معه، فتجاهلوه وذهبوا إلى مصطفى إلا قليلًا منهم، وقد أكرمهم الأمير وقدم إليهم الطعام والمال وتم إرسالهم في اليوم الذي يليه إلى قونيا للحاق بالحملة.

لم يتأخر رُستَم في استغلال هذه الأمور ليقوم بزيادة بث الريبة في صدر السلطان تجاه ولده الأمير، فأرسل يخبره بعدم انصياع الإنكشارية لأوامره وذهابهم لمصطفى، وأنه من الممكن أن يجذبهم إلى طرفه بهذا الشكل في أي وقت لينقلب على السلطنة مما زاد من تحفّز السلطان الذي تجهز للخروج بنفسه إلى الحملة وإن كان غرضه المعلن قيادة الحملة بنفسه، لكن الغرض الحقيقي كان التخلص من مصطفى.

عندما وصل سليمان لمنطقة «أرغلي» بقونيا [وبناء على تقرير سفير البندقية] أرسل في طلب مصطفى، وقد نَصح الأميرَ مساعدوه ووالدتهُ بألا يذهب لهناك، لكنه كان بين أمرين أحلاهما مُر، فلو رفض الذهاب فسيكون عاصيًا للسلطان، ولو ذهب لخاطر بحياته بسبب أقوال رُستَم، وكان من الأمير أن استجمع شجاعته وامتطى جواده وذهب حيث خيمة أبيه.

دخل الأمير إلى الخيمة ورأى والده يجلس أمامه، فانحنى تقديرًا واحترامًا إلا أن الجلادين لم يمهلوه أي وقت وانقضوا عليه لخنقه، فكانت نهايته نقطة سوداء في سجل سليمان؛ إذ لطّخ يده بدماء بريئة لم يَثبُت على صاحبها تهمة، وقد كان ذلك في 27 شوال 960هـ الموافق 6 أكتوبر 1553م. انتشر خبر مقتل الأمير مصطفى فسبّب حالة من الحزن والغضب والثورة بين أفراد الشعب الجيش والإنكشارية الذين وجهوا اتهاماتهم لرُستَم بشكل مباشر كسبب في قتل مصطفى، وقام السلطان بعزل رُستم للتخفيف من حالة الغضب وعين بدلًا عنه «قارا أحمد پاشا» لكن سرعان ما عاد رُستَم لمنصبه فور عودة السلطان من حملته في 29 سبتمبر 1555.

استمرت ردود الفعل على مقتل الأمير بأشكال مختلفة كان من أبرزها ظهور شخص مُزيف يَدّعي أنه الأمير مصطفى في الروملي [البلقان] بسبب الشبه الكبير بينه وبين الأمير الشهيد وادَّعى حقه في عرش السلطنة، وقد تمكنت القوات العثمانية من القبض عليه وإرساله إلى «إسطنبول» حيث أُعدم هناك، وإن استطاع الجيش من القضاء على مصطفى المزيف إلا أن الاعتراض أتى من جهة أخرى على شكل مراثٍ للأمير بواسطة مجموعة من الشعراء يتهمون رُستم وخُرَّم بقتل الأمير، وكان من أبرزهم الشاعر الكبير «يحيى بك» الذي اتهم رُستم بشكل مباشر بقتل مصطفى، كما وجه الانتقادات في شعره إلى السلطان سليمان لتصديقه الإشاعات المغرضة، وقد لقيت المرثية التي ألفها انتشارًا بين طبقات الشعب، وفيها يقول:

 

توارى عن الدنيا ذاك السلطان … وحزن الناس جميعًا لفراقه فهذه مصيبة أصابت الجميع بأسى بالغ … وأقامت الأفلاك والملائكة المأتم لوفاته فهم قتلوا هذا المظلوم بغير ذنب … وسيكتب التاريخ مكر رُستَم

والسؤال الذي يحتاج لإجابة واضحة: لماذا صدَّق السلطان سليمان هذه الأقاويل عن ابنه رغم ما يعلمه عنه من إخلاص وصدق؟ وهل بالفعل كان في نية الأمير الخروج على السلطان؟

مع كثرة ما كان يقال لسليمان من رُستم بالإضافة إلى زوجته خُرَّم وما كانا يملآن به صدره تجاه الأمير، فإن لسليمان دورا شخصيا في اتخاذ قرار الإعدام، فهو ما زال يذكر ما حدث بين والده السلطان «سليم الأول» وجده السلطان «بايزيد الثاني»، فرغم تفضيل بايزيد لابنه الأكبر الأمير «أحمد» كي يخلفه على العرش وتأييد رجال الدولة له، فإن الأمير سليم استطاع الوصول للعرش بالقوة لوجود الإنكشارية إلى جانبه، فخلع والده عن العرش، ولاحق الأمير أحمد وأخاه الآخر الأمير «كوركود» وقتلهما شر قتلة، فهذه الأحداث ما زالت حية في وجدان القانوني، واعتقاده أن مصطفى قد يقوم بالانقلاب عليه كما فعل والده مع جده سابقًا جعلت السلطان يخشى على نفسه وعرشه ومكانته، فلو فعل مصطفى هذا فلن يستطيع إيقافه أحد، وقد ظن سليمان أنه يُضحي بخائن يتآمر مع الأعداء للحفاظ على الدولة، ولبئس ما فعل!

أما الأمير مصطفى فلا يوجد ما يُثبت أنه حاول التواصل مع الصفويين، أو أنه فكر في الخروج على أبيه رغم استطاعته ذلك، وتفكيره في طلب العرش بعد أبيه وسعيه له بطلبه التأييد من كل جانب مقابل المكائد التي كانت تحاك ضده وفي ظل كبر والده في العُمر أمر واجب.


كتب PDF ، كتب و روايات PDF ، أفضل تجميعات الكتب، كتب عالمية مترجمة ، أحدث الروايات و الكتب العربية ،أفضل ترشيحات الكتب و الروايات، روايات و كتب عالمية مترجمة.